مقــالات صحفية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ    مال و أعمال    ـــــــــــــــــ

الخميس 17 رجب 1425 هـ 2 سبتمبر 2004 م

إنشاء بنك إسلامي في بريطانيا

نقلة نوعية للخدمات المصرفية الإسلامية

العدد :8842

محمد عبد الرحيم سيد أحمد

قد تكون موافقة السلطات البريطانية على قيام أول بنك إسلامي في بريطانيا مؤخراً أهم خطوة في مسيرة و تطور البنوك الإسلامية بعد قيام هذه البنوك في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي {ثلاثون عاماً تقريباً} و يتوقع لهذه الخطوة أن تشكل نقلة نوعية و تطويرية في المضمون و الشكل و مستوى الخدمات المصرفية الإسلامية، رغم أن الإحصاءات تُشير إلى أن عدد البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية بلغ حوالي مائة وتسعين بنكاً ومؤسسة، تدير أكثر من ثمانية آلاف فرع موزعة على سبع وعشرين دولة في آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية، ويقدر مجموع أصول هذه المؤسسات طبقاً لآخر التقديرات في حدود مائة وسبعين مليار دولار، كما سجلت المؤسسات المالية الإسلامية الخاصة المحدودة عائداً على الموجودات أعلى من نظيراتها التقليدية بنسبة تتراوح بين 2% و3% خلال الفترة من 1991 إلى 2001.

فعندما بدأت البنوك الإسلامية تجاربها العملية الأولى بمبادرات بنك دبي الإسلامي، بنك فيصل الإسلامي المصري و بنك فيصل الإسلامي السوداني 1975، 1977 و 1978 على التوالي لم يسبقهم غير تجربة محدودة لبنك ناصر الاجتماعي فكانت التجربة بمثابة النقلة الأولى من الجانب النظري إلى الجانب العملي التطبيقي لمجموعة المبادئ الإسلامية التي تحكم المعاملات، القائمة على مبادئ الاستخلاف في المال و حرمة التعامل الربوي و عدم التعامل في البيوع المحرمة كبيع المعدوم و أن لا تبيع ما لا تملك فأسست و أصلت هذه البنوك لمؤسسات مصرفية إسلامية تحظر التعامل الربوي "أخزاً و عطاء" و عملت بمبدأ أن المال ليس مصدر الربح و لكن العمل هو الذي يستحق المقابل فعملت على أحياء هذه القيم، و أدخلت تجربة الخدمات الاجتماعية و الزكاة و أقر مؤتمر مصرف دبي الإسلامي الأول أسس التعامل المصرفي الإسلامي بالإجماع {كل أنواع الحسابات و الودائع الاستثمارية ، و نظم التحويلات و فتح الاعتمادات للتجارة الخارجية و خطابات الضمان ، بالإضافة للتجارب الجديدة في نظام التمويل حسب الصيغ الإسلامية ـ مشاركة ، مضاربة، مزارعة ، استصناع و إجارة}

فإن كان ثمة نجاحات هنا و هناك فإن هذه الفترة الزمنية ثلاثون عاماً ليست بالفترة الطويلة مقارنتاً بعمر العمل المصرفي التقليدي الذي تدخل البنوك الإسلامية معه في المنافسة بشكل أو بآخر فالنظام المصرفي التقليدي له قواعد و أسس راسخة و قوانين أُقرت و شُرعت لدعمه بخلاف البنوك الإسلامية التي يعمل جلها في بيئات لا تُكِن لها ما يهيئ لها أسباب النجاح بل قد يُشابه وضع بعضها حالة زراعة الأعضاء في الأجسام الغريبة، كما تمتاز البنوك التقليدية بأن منها القادر على المنافسة [أو الحرب] حتى الأجل الطويل لما لها من قدرات و إمكانيات و ما تتمتع به من الخبرة و المقدرة على المحافظة على حصصها من السوق بكل الوسائل باستغلال وزنها و ثقلها الاقتصادي و تأثير الاقتصاد على السياسة خاصة و أنها ذات ثقل و تأثير اقتصادي يتخطى حدود الدول.

إن موافقة الحكومة البريطانية على قيام البنك الإسلامي بعد اعتراضات أخذت الكثير من الزمن تعتبر هذه الموافقة شهادة ليس فقط نجاح التجربة السابقة بل شهادة دخول المرحلة الجديدة " شهادة تأهيل" للعمل في ظل اقتصاد عُرف أهله (البريطانيين) بأنهم الأكثر تقليدية و الأكثر تمسكاً بالآراء و الأفكار السابقة.

نعم هذه الموافقة شهادة تعني أن هذه التجربة الإنسانية جديرة بالتقدير و أن تُعطي لها الفرصة لتقدم خدمات مصرفية مميزة للمجتمع البريطاني.

و نرى أن أهم مداخل النجاح لهذا البنك تتركز في النقاط التالية:

أولاً: ودائع المسلمين:

و تشمل ودائع المسلمين المقيمين في بريطانيا و الذين يُقدر عددهم بنحو 1.8 مليون مسلم بالإضافة للمسلمين خارج بريطانيا و هم قسمان خارج بريطانيا في العالم الإسلامي و خارج بريطانيا من غير العالم الإسلامي، و المجموعات الثلاثة تجمعها الدوافع الإسلامية المشتركة إذا تجمعهم الرغبة في ممارسة عقيدتهم من ناحية اقتصادية، بالبعد عن الربا و المؤسسات الربوية. و رغم أن هذه المؤسسات الإسلامية موجودة و قائمة في أكثر الدول الإسلامية و لكن قيام البنك في بريطانيا ذو أبعاد خاصة أهما عامل الثقة في النظام المصرفي البريطاني عامة و القوانين السائدة بالبلاد و ما توفره من ضمان لحقوق المودعين و المستثمرين بشكل لا يدانيه الشك، الشيء الذي لا يتوفر في معظم الدول التي نشأت بها البنوك الإسلامية من حيث عدم استقرار القوانين، بل وعدم استقرار السياسات الاقتصادية و الأوضاع السياسية عامة.

أما حجم الودائع المتوقع و من دون تحديد رقم معين لهذه التوقعات يمكن أن نأخذ أصغر نسبة ممكنة من تقديرات الأموال العربية الموجودة خارج المنطقة العربية {600 إلى 800 بليون دولار} لنصل لحجم أموال تقارب الرقم الحالي لكل أموال البنوك الإسلامية داخل الدول العربية مجتمعة.

ثانياً: حسابات المراسلين:

تشكل الخدمات التي يقدمها البنك المراسل دوراً لا يمكن إغفاله فنوعية الخدمة و تكلفتها أمر حيوي للبنوك لضمان انسياب تحويلات الأموال في المقام الأول ثم خدمات الاعتمادات المستندية و ما تمثله من دور رئيسي في عصب التجارة الخارجية بوصفها واحدة من أهم الخدمات التي تقدمها البنوك التجارية كما أنها تمثل مصدر رئيسي من مصادر عائدات الخدمات المصرفية التي تعتمد عليها البنوك التجارية كمصدر من مصادر الدخل و بمخاطرة أقل من الاستثمار المباشر أو إقراض الأموال.

أما الجانب الذي سيمثل عنصر جذب للبنوك الإسلامية المنتشرة في الدول الإسلامية تجاه البنك الإسلامي المتوقع في بريطانيا فهو الجدل الذي يثيره تعامل البنوك الإسلامية مع البنوك الربوية كمراسلين في الغرب و كيفية التعامل، فكل الإجابات و طرق التعامل لا تقنع المتعاملين مع البنوك الإسلامية الحالية خاصة المساهمين الحريصين على أن لا تشوب أموالهم أي شبهات و دعك عن المتربصين بأخطاء التجربة و الأسئلة المثارة عن هذا التعامل حالياً ـ هل تحصل البنوك الإسلامية على فوائد نظير ودائعهم و تعاملاتهم مع البنك المراسل في الغرب؟ إذا كانت الإجابة نعم أين تُصرف هذه الفوائد الربوية؟ و إذا كانت الإجابة بلا فالسؤال لماذا تتُرك أموال المسلمين ليتقوى بها غير المسلمين؟ و في حالات الاتفاقيات الخاصة مع المراسلين ما هي أسس هذه الاتفاقيات؟ و عندما يتم كشف حساب البنك الإسلامي هل يدفع غرامات أو "فوائد" ربوية للبنك المراسل مقابل هذه الخدمة؟

مهما بذلت البنوك من جهد فلن تلغي حالة الشك لدى المتعاملين و المساهمين على الأقل كما أسلفنا الحريصون منهم على ممارسة عقيدتهم اقتصادياً على الوجه الأكمل الذي أمر به الدين.

ثالثاً: الخبرات الإسلامية:

تمثل بريطانيا أحدى أهم الدول التي يتواجد بها تجمعات مقدرة من المسلمين ذوي الخبرات العملية المميزة و المؤهلات الأكاديمية الرفيعة الذين يمكن أن يشكلوا أهم المعينات الدافعة لنجاح هذه المؤسسات المالية الإسلامية في المجال الخدمات المصرفية التقليدية و في مجال الاقتصاد الإسلامي و البنوك الإسلامية بالإضافة للجانب الفقهي.

بالإضافة للعوامل أعلاه هناك عوامل أخرى يُمكن أن تسهم في نجاح البنك الإسلامي المرتقب في بريطانيا أهما البيئة التي سيعمل من خلالها البنك و ما يتوقع فيها من منافسة تشمل كل تفاصيل العمل، و ما توفره هذه البيئة أيضاً من دعم في شكل أحدث معينات و وسائل العمل و التطور التقني الذي يسمح له ببداية من مرحلة متقدمة على رصفائه من البنوك الإسلامية.

و تمثل التجربة المرتقبة للبنك الإسلامي في بريطانيا فرصة للبنوك الإسلامية أن تعرض خدماتها في شكل بنك متكامل لجمهور المتعاملين من غير المسلمين لمجتمع عملي يبحث عن من يقدم له الدليل على الجدية و المصلحة الآنية ليتعرف على مزايا أحدى فروع الاقتصاد الإسلامي متمثلة في خدمات البنوك الإسلامية ليرى عملياً الفوائد المنطقية لهذا النظام في تقييم مجرد من التفكير ذو الخلفيات العقائدية التي تحكم آراء المسلمين.

و التجربة المرتقبة تمثل مدخلاً للبنوك الإسلامية للتخلص من مجموعة عقبات أصبحت تأخذ شكل العقد المستعصية، فالبنك الإسلامي المرتقب في بريطانيا سيكون بالتأكيد دفعة و مخرج للتخلص من عقدة المحلية و الإقليمية، و دفعة لبقية البنوك للتخلص من عقدة أن الحلقة غير مكتملة [بنوك + فروع + مراسلين في ظل مصرف مركزي و مساعدة مؤسسات إسلامية أخرى] و يبقى التحدي قائماً أمام الإدارة الجديدة للبنك الإسلامي في بريطانيا و بقية البنوك الإسلامية المنتشرة في الدول الإسلامية و هو كيف للبنوك الإسلامية أن تطور أدواتها الاستثمارية لمجابهة النظام الاقتصادي الحديث والمتعدد الأدوات؟ دون أن ينفرط الرابط القوي المستمد من أصول الشرع.

أخبـر صديقـك

العودة للأعلى

طباعـــة